يرى أبراهام أبيبي، الباحث في هورن ريفيو، أن الخلاف الحالي بشأن سد النهضة الإثيوبي يعكس موقفًا إثيوبيًا قديمًا يرفض إخضاع مشروعات التنمية في دول المنبع لقرارات مصر ومصالحها المائية. ويستند الكاتب إلى برقية دبلوماسية أمريكية تعود إلى عام 1956، لتوضيح أن إثيوبيا اعترضت منذ عقود على اعتبار مشروع السد العالي في أسوان أساسًا لتقييد حقها في استخدام مياه النيل مستقبلًا، مؤكدًا أن سد النهضة أعاد هذا الخلاف التاريخي إلى الواجهة.

 

وفي مقال نشره موقع هورن ريفيو، يتناول أبيبي جذور الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا بشأن تقاسم مياه النهر، ويناقش المبادئ القانونية المنظمة لاستخدام الأنهار الدولية، بما فيها الانتفاع المنصف والمعقول والتعاون ومنع الضرر الجسيم. ويدعو الكاتب إلى تبني نهج تعاوني يشمل دول حوض النيل، بدلًا من الاعتماد على أنماط توزيع تاريخية تمنح دول المصب نفوذًا أكبر على خيارات التنمية في دول المنبع.

 

 

برقية عام 1956 تكشف جذور الخلاف بشأن مياه النيل

 

في 29 مايو 1956، وقبل بدء بناء السد العالي في أسوان، أرسلت السفارة الأمريكية في أديس أبابا برقية إلى الحكومة الأمريكية سجلت فيها اعتراض إثيوبيا على أي محاولة لتقييد استخدامها المستقبلي لمياه النيل. ونقلت السفارة موقف الإمبراطور هيلا سيلاسي من الدعم الأمريكي لخطط مصر، قائلة: «نعتقد أن إثيوبيا لن تقبل الآن أو مستقبلًا أن يقيّد مشروع سد أسوان استخدامها المستقبلي لمياه النيل».

 

وعكست البرقية موقفًا إثيوبيًا يرى أن قرار مصر تطوير موارد النهر لا ينبغي أن يحدد حدود التنمية في إثيوبيا. وبعد مرور عقود، أصبح سد النهضة الإثيوبي الكبير تجسيدًا عمليًا لهذا الاعتراض، إذ يتحدى فكرة أن البنية التحتية المائية القائمة في دول المصب ينبغي أن تتحكم في خيارات التنمية لدى دول المنبع.

 

ولم يقتصر مضمون البرقية على رفض إثيوبيا تقييد استخدامها المستقبلي للمياه، بل تناول أيضًا تداعيات استبعاد دول المنبع من المشاورات بشأن المشروعات الكبرى. وأشارت السفارة إلى اعتراض الإمبراطور على دعم واشنطن للمشروع المصري دون التشاور الجاد مع الدول الأخرى المشاطئة للنهر، محذرة من أن تجاهل المصالح الإثيوبية قد يلحق ضررًا بالغًا بالعلاقات بين الولايات المتحدة وإثيوبيا.

 

ودعت السفارة إلى إشراك إثيوبيا والدول الأخرى المطلة على النيل مباشرة في المشاورات، وإلى الاستناد إلى اتفاق مسبق عند اتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بتطوير النهر. وبذلك، سجلت البرقية مبكرًا خلافًا بشأن آلية اتخاذ القرارات المتعلقة بالمياه المشتركة، بين نهج يركز على مشروعات دولة بعينها ونهج يدعو إلى مشاركة جماعية تشمل دول الحوض.

 

ويرى أبيبي أن هذه الخلفية التاريخية تساعد على فهم جوهر النزاع الراهن، الذي يتمحور حول الفرق بين تطوير النهر لتحقيق المصالح الوطنية وادعاء سلطة تحديد كيفية استخدام الدول المجاورة لمياهه. ويطرح الكاتب سؤالًا بشأن ما إذا كان ينبغي للبنية التحتية القائمة وأنماط استخدام المياه التاريخية أن تظل قيودًا دائمة على فرص التنمية في الدول الأخرى المشاطئة للنهر.

 

 

سد النهضة ورفض احتكار دول المصب لقرارات التنمية

 

أعاد سد النهضة هذا الخلاف إلى الواقع العملي، بعدما أقامته إثيوبيا على النيل الأزرق بهدف توليد الكهرباء ودعم التحول الاقتصادي والتنمية الإقليمية. ويرى الكاتب أن المشروع يتحدى نمطًا تاريخيًا منحت فيه الاستخدامات القائمة لدى دول المصب وزنًا أكبر في تحديد السياسات المتعلقة بالنيل، على حساب الاعتراف الكافي بمصالح دول المنبع.

 

وتسهم إثيوبيا بأكثر من 85% من تدفقات النيل، وفقًا للمقال، عبر النيل الأزرق وروافد أخرى تنبع من مرتفعاتها. لكن هذه المساهمة الكبيرة، بحسب أبيبي، لم تقابلها مكانة مماثلة لمصالحها التنموية في الترتيبات التاريخية التي نظمت استخدام مياه النهر.

 

ويطرح الكاتب تساؤلًا بشأن الأساس الذي تستند إليه مصر للمطالبة بحق الاعتراض على استخدام إثيوبيا للمياه في أعلى النهر، معتبرًا أن أي دولة مشاطئة لا تمتلك حقًا أصيلًا في تحديد خيارات التنمية لجميع دول الحوض. ويقر بأن اعتماد مصر الكبير على النيل يمثل عاملًا مهمًا في إدارة المياه، لكنه لا يمنحها، في رأيه، سلطة حصرية على نهر تتشارك فيه دول متعددة.

 

ويضيف أن أنماط استخدام المياه التي ترسخت تاريخيًا، بما فيها الترتيبات التي نشأت في الحقبة الاستعمارية، لا ينبغي أن تتحول تلقائيًا إلى حقوق دائمة تمنع دول المنبع من تحقيق أهدافها التنموية المشروعة. ويرى أن إثيوبيا لا ينبغي أن تخضع مستقبلها الاقتصادي إلى أجل غير مسمى لتفضيلات مصر.

 

وفي هذا السياق، يشير أبيبي إلى الاتفاقية الإطارية للتعاون في حوض النيل، التي دخلت حيز التنفيذ في 13 أكتوبر 2024 بالنسبة إلى الدول التي صادقت عليها. وترتكز الاتفاقية على مبادئ الانتفاع المنصف والمعقول بالمياه، والتعاون والتنمية المستدامة، بما يوفر إطارًا بديلًا للترتيبات التي تمنح أنماط الاستخدام القائمة لدى دول المصب أولوية في تحديد مستقبل النهر.

 

ويدعو الكاتب مصر إلى الانخراط بصورة بناءة في الاتفاقية الإطارية ومبادئ التعاون على مستوى الحوض، معتبرًا أن استمرار الاعتماد على المطالبات التاريخية المرتبطة بالحقبة الاستعمارية لن يحل الخلاف الأساسي بشأن تقاسم موارد النيل. ويرى أن أي إطار مستدام ينبغي أن يعترف بالاحتياجات التنموية المشروعة لدول المنبع ومصر والسودان، وألا يمنح دولة واحدة سلطة منفردة على قرارات استخدام المياه.

 

ويؤكد أبيبي أن مساهمة إثيوبيا في مياه النيل لا تمنحها بدورها حق السيطرة على النهر بأكمله، مثلما لا يمنح الاستخدام التاريخي مصر حق الاعتراض على مشروعات دول المنبع. ويضيف أن عدم مساهمة مصر بمياه تنبع من أراضيها في تدفقات النيل، وفقًا لطرحه، يعزز ضرورة عدم اتخاذ موقعها في أسفل النهر أساسًا لمنحها سلطة حصرية على الحوض.

 

 

القانون الدولي أساس لتعاون منصف بين دول حوض النيل

 

يشدد الكاتب على أن رفض منح مصر حق الاعتراض المنفرد لا يعني رفض القانون الدولي للمياه، موضحًا أن الأنهار المشتركة تتطلب التعاون، وأن مشروعات التنمية ينبغي أن تلتزم بالواجبات الدولية ذات الصلة. ويستشهد باتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، التي تضع الانتفاع المنصف والمعقول والتعاون والالتزام بمنع الضرر الجسيم ضمن المبادئ الأساسية لإدارة الموارد المائية المشتركة.

 

ويوضح أبيبي أن هذه المبادئ ينبغي النظر إليها مجتمعة، لأن الالتزام بمنع الضرر الجسيم لا يعني تجميد أنماط استخدام المياه القائمة إلى الأبد، ولا يمنح دول المصب حقًا مطلقًا في تعطيل مشروعات دول المنبع. وفي المقابل، لا يعفي الحق في التنمية أي دولة من مراعاة الآثار المحتملة لأنشطتها على الدول الأخرى المشاطئة للنهر.

 

وعند تطبيق هذه المبادئ على سد النهضة، يرى الكاتب أنها تؤكد حق إثيوبيا في استخدام مواردها المائية وفقًا لمبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، مع ضرورة التعاون واحترام المصالح المشروعة لجميع دول الحوض. ويعارض إخضاع التنمية الإثيوبية لموافقة مصر المنفردة، معتبرًا أن المشاورات ينبغي أن تساعد على إدارة المصالح المشتركة، لا أن تتحول إلى وسيلة لحرمان إثيوبيا من فوائد تطوير مواردها.

 

كما يرى أن مصر لا يمكنها جعل المشاركة المباشرة في تشغيل السد شرطًا مسبقًا لقبول وجوده. ويدعو بدلًا من ذلك إلى تعاون يهدف إلى إدارة النهر بصورة عادلة، دون الحفاظ على أفضلية تاريخية لدولة على حساب الفرص التنموية المستقبلية لدولة أخرى.

 

ويخلص أبيبي إلى أن السجل التاريخي يعزز الحجة السياسية والقانونية الإثيوبية في النزاع الراهن، إذ سبق رفض أديس أبابا لمحاولات تقييد استخدامها لمياه النيل إنشاء السد العالي نفسه. وتكشف برقية عام 1956 أن إثيوبيا رفضت مبدأ أن يحدد تطوير مصر للنهر أو يقيد استخدامها المستقبلي لمياهه.

 

ويرى الكاتب أن سد النهضة كشف حدود النهج الذي يتخذ من البنية التحتية القائمة وأنماط الاستخدام التاريخية مبررًا للتحكم في تنمية دول المنبع. ويؤكد أن تسوية الخلاف تتطلب تعاونًا حقيقيًا بين دول الحوض، على أساس الانتفاع المنصف والمعقول، والاعتراف بحقوق التنمية المشروعة، بدلًا من إخضاع مستقبل النيل لترتيبات تاريخية أو مطالب أحادية.

 

https://hornreview.org/2026/10/15/the-aswan-dam-and-ethiopias-longstanding-rejection-of-egypts-nile-veto/